موكا




 بعد إذنك أروح الحمام

قام رفيقي أثناء لقاء عمل على كوستا كوفي فبدأت أتأمل الحضور
لفتت نظري فتاة عشرينية من عمر أولادي تقريبا
كانت تحمل مزيجا متداخلا من الحضارات
فهي محجبة وتدخن ويمكن تكون طالبة
كانت منهمكة في النظر ما بين اللاب توب والسمارت فون من خلف عدسات نظارتها الطبية
وبالرغم من أن معظم الحضور من نفس الثقافة تقريبا
إلا أنها لما طلبت من المضيف (موكا فلات وايت)
أوحت إلى لغة الجسد مع الطريقة التي نطقت بها كلمة موكا
أنها تحمل كثيرا من الزهو
وبالرغم من أنه قد غمرتني رغبة جارفة أن أسألها .. هل تعرفين معنى كلمة موكا
إلا أن ثوابتي منعتني من محاورتها
وذلك لأن معرفة سبب تسمية القهوة (موكا)
لن تجعلها وحدها فقط تشعر بالزهو
بل ستجعلنا كلنا نشعر بفخر حقيقي
لكن ذلك يتطلب سرد هذه الأحداث عن تاريخ أمتنا المشرف
في بداية القرن الخامس عشر أغارت أساطيل المملكة البرتغالية على الدولة الإسلامية من ناحية الجنوب مستهدفة مدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة لسرقته ومقايضته بمدينة القدس
وكانت البرتغال تحتل شبة القارة الهندية وقام الحاكم البرتغالي فرانسيسكو دي ألميدا والذي كان يحكم بلاد الهند بالتخطيط لهذا الغزو
فبدأت الأساطيل البرتغالية التحرك من الهند تحت قيادة ألفونسو ألبوكريك الذي أمره فرانسيسكو على أسطول ضخم وأول ما احتلته هذه السفن هو جزيرة يمنية إسمها سوقطرة ثم احتل سواحل عمان وارتكب مجازر بشعة في حق السكان العمانيين
ولما وصلت الأخبار إلى السلطان الغوري سلطان المماليك والذي تقع مصر والحجاز تحت حكمه طلب العون من السلطان العثماني بايزيد الثاني ابن محمد الفاتح والذي سارع بإرسال السلاح والعتاد على ظهر الأسطول العثماني إلى مصر ومنها إلى الحجاز
وتم تحصين ميناء ومدينة جدة تحت إشراف حاكمها حسين الكردي الذي أشرف على بناء سور ضخم أحاط بالمدينة وقد ظل هذا السور موجودا حتى عام 1947 ولازال أثره موجودا حتى اليوم
وبعد تأمين المدينة اتحدت أساطيل الدولة الإسلامية العثمانية والمملوكية والإمارات الهندية المسلمة وقامت بمهاجمة البحرية البرتغالية عند سواحل الهند ودمرت السفن البرتغالية عام 1508 وانتصرت على البرتغاليين في معركة شاول البحرية
عاد البرتغاليون للإنتقام بأسطول ضخم وحيث أن قناة السويس لم تكن قد حفرت بعد، فكان مسار هذا الأسطول من لشبونة بأوربا ثم حول ساحل غرب أفريقيا إلى رأس الرجاء الصالح ثم بحر العرب ثم مضيق باب المندب ثم البحر الأحمر مستهدفة ميناء جدة
نجحت الأساطيل البرتغالية المغيرة هذه المرة في عبور باب المندب والدخول إلى البحر الأحمر واحتلال ميناء المصوع في إريتريا على الساحل الغربي
تصدى للجيوش البرتغالية الجيش الصومالي بقيادة المجاهد الصومالي أحمد الغازي وبدعم من القوات الخاصة العثمانية التي أرسلها السلطان سليمان القانوني والتي كان مدعمة بسلاح المدفعية
وفي يوم 28 أغسطس عام 1542 تم تدمير الجيوش البرتغالية عن بكرة أبيها في معركة وفلة والتى دارت رحاها في مدينة وفلة بأثيوبيا
وبعد هذا الإنتصار قررت الدولة الإسلامية تأمين مدخل البحر الأحمر بتكوين قاعدة عسكرية في ميناء يمني إسمه ميناء المخاء (بضم الميم )
وتم تمركز قوات المدفعية في هذا الميناء باليمن وتم فرض رقابة بحرية شديدة على السفن البرتغالية التجارية وإخضاعها للتفتيش حرصا على ألا تتكرر مهاجمة الأراضي الإسلامية
وظلت سفن أوربا المحملة بالبضائع تخضع للتفتيش في ميناء المخاء باليمن حتى القرن الثامن عشر
وخلال حوالى مائتين وخمسين عاما كان المصدر الوحيد للبن اليمني أو البن الإثيوبي للتجار الأوربيين هو ميناء المخاء
وكانت كلمة المخاء تنطق (مخا) فقط بدون الهمزة للتخفيف
ولما كان الأوربيون لا يجيدون نطق حرف الخاء فكانوا ينطقون إسم مدينة مخا ... (موكا)
ومن هنا كانت كثير من الدول الأوربية تسمي القهوة (موكا)
وهذه القصة التي رواها جهاد الترباني لن يرويها الأوربيون
وأعتقد أن أجدادنا لو عايشونا اليوم لماتوا من الضحك
لأننا اليوم إذ نفخر بشرب الموكا
كانوا هم قد عرفوا ما هو الفخر وهم يسطرون التاريخ


#سفسطة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ربنا يحفظك يا ولدي

الاجتماع الأخير

والمصحف أنا مسيحي