السبت، 3 أكتوبر 2020

ربنا يحفظك يا ولدي

 




تجلس أمام سوبر ماركت كبير
في شارع مراد بالجيزة
سيدة مسنة تنتظر مساعدة المارة
أظنها تسعينية

وجهها بشوش يتوسط تجاعيده العميقة
عينان تبرقان بعزة نفس كبيرة
رأيتها أول مرة منذ عدة أعوام
يعبث الهواء بخصلات من شعرها الأبيض
تخرج من جانبي غطاء رأس يسقط قليلا إلى الخلف

تفترش الأرض وتتناول قرصين من الطعمية
على ورقة من صحيفة قديمة عليها آثار الزيت
كانت الورقة صغيرة
حتى أن رغيف الخبز نصفه خارج الورقة يحتضن الأرض
لغة جسدها الهزيل تحمل كثيرا من العزة

 

اعتدت كلما أمر من هناك  أن اشتري لها مشروبا
أسألها دائما ..
يا أمي ... هل تفضلين المانجو أم التفاح ؟
كان هذا السؤال يضحكها كثيرا
فاتحة فما لا أسنان فيه
حتى ينقطع نفسها

ثم أعود إليها بالمشروب
تقول.. الله ... الله  .. ربنا يحفظك يا ولدي
في عزة نفس ورضا
يفتقره كثير من القادرين

 

عندما انتشر فيرس كورونا كنت أظنها أول الهالكين
وكلما مررت من هناك
كنت أتوقع ألا أراها

تذكرتها يوم توفيت فنانة مشهورة بفيرس كورونا
وعقلي يحدثني
إذا كان الفيرس قد نال ممن تستطيع ان تتخذ تدابير الحماية وتهتم بالتعقيم والنظافة
فمال بالك بمن تعيش أيامها على الرصيف بلا أي وقاية!

مررت بعد يومين
وجدتها في نفس المكان
على نفس الهيئة

يا أمي .. هل تفضلين المانجو أم التفاح ؟
نفس الضحكة

 

عقب إصابة الرئيس الأمريكي بالفيرس
تذكرت على الفور هذه السيدة
تذكرت صوتها وهي تقول
ربنا يحفظك يا ابني


شعرت أنها من القليل
الذين يؤمنون حقا
بأن الله هو الحافظ
فحفظها

 

سأمر عليها قريبا
وسأسألها نفس السؤال
مستبشرا بضحكاتها

  بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (...