بيت المقدس




 

ساعات كده لما بتزور الطبيب وانت بتشتكي من ألم ألم بك
ويشخص لك الطبيب المرض ويصف لك دوائه
بتحب تسأل بعض المحيطين ممن سبق لهم أن مروا بنفس المرض
بتسألهم عن بعض التفاصيل من باب المعايشة والإطمئنان

فمعلومات قليلة ممن من الله عليهم بالشفاء
من باب إسأل مجرب
تعظم وتقرب الأمل إلى نفسك

كذلك معايشة التاريخ والبحث فيه غالبا بيكون لها نفس الأثر وبتشحنك بالكثير من الأمل
وكلما تأجج الصراع حول المسجد الأقصى، تستدعى الذاكرة أوتوماتيكيا سيرة صلاح الدين الأيوبي
ويمكن تحب تتفرج على فيلم لسيرته، يخليك تعيش أجواء النصر والعزة

ويقوي من حالتك النفسية علشان تقدر تهزم الإحباط الناتج من التصريحات العجيبة
اللي ممكن تسمعها بتجرم أعمال المقاومة أو بتدعو للتطبيع والتآلف مع الصهاينة

أنا حبيت أرجع لبعض المصادر التاريخية
أدور فيها على حاجة تانية غير وصف الإنتصارات التي حررنا فيها المسجد الأقصى

حبيت أدور في فترة الاحتلال الصليبي لبيت المقدس وما قبل تحريره
هل ذكر التاريخ سيرة أيا من كان يدعو للمهادنة أو التطبيع أو المصادقة مع المحتل الصليبي!

وكان الغرض إني أعرف هل ما نعيشه اليوم، يجوز أن يكون تكرارا لما حدث بالأمس؟
وهل واجه السابقون تصريحات أو أقوال أو تصرفات
ممجوجة تثبط العزيمة أو تفت في عضد الهمة أو ذراع الأمة
وكيف واجهوها إذا كانت
وكيف تغلبوا على إحباطهم وتمكنوا في النهاية من النصر والحرية

وقد وجدت العجب العجاب
هاحكيلك منه شوية كده من باب الاطمئنان
ان ما نراه بأعيننا ونسمعه اليوم بآذاننا
سبق للتاريخ أن سجل مثله أو أسوأ
في أوقات الاحتلال
مع وصف بعض المشاهد
لكي تتخيل الحالة النفسية لمن عايشها

 

المشهد الأول عام 1099 م

كان مشهد اقتحام الصليبيين بيت المقدس مشهدا بالغ الدموية في مجزرة كانت الأولى من نوعها في التاريخ قتل فيها الجنود الصليبيون وبدون تمييز كل المدنيين في الشوارع والأزقة والبيوت من رجال ونساء وشيوخ وأطفال مسلمين ومسيحيين ويهود، فالكل ملامحه عربية
النساء ذبحت وقطعت أصابعهن لسرقة الخواتم والحلي، وبقرت بطونهن للبحث عما قد يكن قد ابتلعنه من جواهر
وسجل المؤرخون أن أكثر من مائة ألف مدني قتلوا على مدار عشرة أيام متواصلة، وكانت جثثهم ترص في كومات تم تحرق لتسهيل البحث عن المتعلقات بين رمادها
وتم تحويل المسجد الأقصى إلى اسطبل تتبرز فيه خيول الصليبيين

بعض ممن شهد هذه المجزرة تمكن من الفرار وقد حملوا معهم مصحف سيدنا عثمان الذي كان محفوظا في المسجد الأقصى
فروا إلى دمشق قاصدين الإمام زين الدين الهروي أحد أكبر الأئمة في عصره

فجع الإمام مما سمعه من أخبار اقتحام بيت المقدس
فهرع إلى عاصمة الخلافة العباسية في بغداد والتي كانت غارقة في الترف
لم يسمح له بمقابلة الخليفة رغم عظم ما يحمله من أخبار


فلجا الإمام زين الدين الهروي إلى حيلة عجيبة حتى يتمكن من مقابلة الخليفة
كانت هذه الحوادث في شهر رمضان، فذهب في نهار رمضان إلى مسجد بغداد وسط المصلين وافترش صحن المسجد ببعض الطعام، وهم بالأكل، فهجم عليه المصلون وسلموه للحراس حتى يعرض أمره على الخليفة

دخل الإمام زين الدين الهروي على مجلس الخلافة وقال لهم إنكم تخشون على دينكم من إفطار صائم ولا تهبون لمسجدكم الأقصى وقد تحول إلى اسطبل لخيل الصليبيين

مصمص الحضور في مجلس الخلافة شفاهم
ودعوا الله أن يهون على أهل القدس
ولم يتحرك جندي واحد !

 

المشهد الثاني عام 1111 م

بعد عامين من احتلال بيت المقدس كان قد سقط في ايدي الصليبيين كل من نابلس وبيسان وطبرية ويافا وحيفا وعكا وصيدا وبيروت وطرابلس وانطاكية

ومن انطاكية بدأوا غزو حلب، قاموا بحصار أسوارها وكان حاكم حلب إسمه رضوان

وكان رضوان هذا يرى أن يهادن ويصادق ويطبع
 وأراد أن يري الصليبيين من حلب الود والتسامح
فأمر النجارين بصنع صليب ضخم
وقام برفع الصليب فوق مسجد حلب

لم يطق الحلبيون هذا المشهد
فثاروا على حاكمهم رضوان وتزعم ثورتهم الإمام أبو فضل بن الخشاب
ولما لم يكترث رضوان إلى ثورة أهل حلب
هرع الإمام أبو فضل بن الخشاب إلى عاصمة الخلافة في بغداد

ولم يكن حظه أفضل من الإمام زين الدين الهروي
فخطب في مسجد بغداد صارخا

أحل الكفر بالإسلام ضيما ... يطول عليه للدين النحيب

فحق ضائع وحما مباح ... وسيف قاطع ودم سليل

وكم من مسلم أمسى سليبا ... ومسلمة لها حرم سليب

وكم من مسجد جعلوه ديرا ... على محرابه نصب الصليب

 

وبعد أن حرك الإمام أبو فضل بن الخشاب النخوة في أهل بغداد وفي جيش الخلافة
عاد مسرعا إلى حلب ليحث أهلها على الجهاد ويكون في صفهم

قام رضوان حاكم بغداد بسجن الإمام أبو فضل بن الخشاب
وسجن معه كل من يناصره من القضاة ورجال الدين والثوار وأهل الرأي ومحركي دعوة الجهاد
ولم يكتف بذلك بل أغلق أبواب حلب في وجه جيش المسلمين القادم من بغداد لنصرة حلب!

المشهد الثالث عام 1113 م

كان يقود جيش المسلمين الذي توجه لإغاثة حلب القائد شرف الدين مودود
فلما أغلق رضوان حاكم حلب ابوابها في وجه جيشه
ظل القائد متأهبا بجيشه منتظرا فرصة الجهاد والتي سنحت عندما استغاث به حاكم دمشق ظاهر الدين طغتكين
على أثر الأخبار التي وردت عن تحرك جيش الصليبيين نحو دمشق

تحرك القائد شرف الدين مودود بجيشه إلى دمشق
والتقى بجيش الصليبيين قرب طبرية
وهزمهم شر هزيمة في معركة الصنبرة

 

استقبل حاكم دمشق ظاهر الدين طغتكين القائد المنتصر شرف الدين مودود في دمشق استقبالا حافلا
لكن ظاهر الدين طغتكين خشي أن يزاحمه شرف الدين مودود في إمارة دمشق بعد احتفاء الدمشقيين به
فجند واحدا من المرتزقة – كان من طائفة تشبه بلطجية اليوم، يؤجرون للقتل لمن يدفع الثمن، وعرفوا بطائفة الباطنية أو الحشاشين –

ويوم الجمعة ترك شرف الدين مودود معسكره خارج دمشق ودخل لصلاة الجمعة في مسجدها
فباغته المرتزق بطعنتين عقب الصلاة وهو خارج من المسجد فأسلم الروح

قال ابن الأثير: حدثني والدي رحمه الله أن ملك الفرنج كتب إلى طغتكين كتابا فيه:
وإن أمة قتلت عميدها، يوم عيدها، في بيت معبودها، لحقيق على الله أن يبيدها

 

يذكر أن مرتزقة الباطنية أو الحشاشين بعد ان قتلوا القائد شرف الدين مودود
قتلوا أيضا الإمام زين الدين الهروي والإمام أبو فضل بن الخشاب
وحاولوا ولكنهم فشلوا في قتل القائد صلاح الدين الأيوبي نفسه

 

المشهد الرابع عام 1228 م

أربعون عاما فقط كانت قد مضت بعد أن حرر صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس بعد معركة حطين عام 1187م
حتى تم تسليم بيت المقدس للصليبيين مرة أخرى بدون قتال عام 1228!

حدث ذلك بعد ان استعان الملك الكامل الأيوبي ملك مصر بالملك فريدريك الثاني ملك صقلية

استعان الكامل بفريدريك على أثر الصراع بينه وبين أخيه الملك المعظم عيسى ملك دمشق
ظنا منه أنه يعد العدة لغزو مصر فرأي وضع الصليبيين بينهما في بيت المقدس تأمينا لعرشه

أدخلت هذه الخيانة فريدريك الثاني بيت المقدس على رأس ثلاثمائة فارس صليبي فقط وبدون قتال
ومنع الملك الكامل أذان الفجر في المسجد الأقصى حتى لا يقلق نوم الملك فريدريك!

 

 

المشهد الخامس عام 1240 م

استرد الملك داوود بن المعظم بن عيسى وحفيد صلاح الدين بيت المقدس عام 1239م
لكن عمه الصالح اسماعيل باع بيت المقدس للصليبيين مرة أخرى وبعد عام واحد فقط عام 1240م
حتى استردها مرة أخرى السلطان نجم الدين أيوب عام 1244م
وظل بين المقدس حرا منذ عام 1244م وحتى الاحتلال الصهيوني عام 1948م

 

وعلى الرغم من الامتعاض من أحاديث الخيانة والخسة والدياثة التي تملأ كتب التاريخ
ما بين عام احتلال بيت المقدس 1099م وتحريره عام 1244م

إلا أنها تبعث في النفس الكثير من الطمأنينة
إذ أن التاريخ قد وثق سيرة الخائنين لتلعنهم إلى يوم الدين كل عين تقرأ سيرتهم العفنة

وأيضا الطمأنينة أن كل هذه الخيانات لم تمنع رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه
من العسكريين الأشداء أمثال شرف الدين مودود ونور الدين محمود
وصلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس عليهم جميعا رحمة الله


ولم تكتم كلمة الحق في حناجر الأئمة الصادقين
أمثال الإمام زين الدين الهروي والإمام أبو فضل بن الخشاب
ولم تمنعهم من اعتلاء المنابر وشحذ الهمم والدعوة إلى الجهاد

حي على الجهاد ... حي على الجهاد ... حي على الجهاد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ربنا يحفظك يا ولدي

يوسف الصديق

ممنوع دخول المحجبات