الجمعة، 14 مايو 2021

بيت المقدس




 

ساعات كده لما بتزور الطبيب وانت بتشتكي من ألم ألم بك
ويشخص لك الطبيب المرض ويصف لك دوائه
بتحب تسأل بعض المحيطين ممن سبق لهم أن مروا بنفس المرض
بتسألهم عن بعض التفاصيل من باب المعايشة والإطمئنان

فمعلومات قليلة ممن من الله عليهم بالشفاء
من باب إسأل مجرب
تعظم وتقرب الأمل إلى نفسك

كذلك معايشة التاريخ والبحث فيه غالبا بيكون لها نفس الأثر وبتشحنك بالكثير من الأمل
وكلما تأجج الصراع حول المسجد الأقصى، تستدعى الذاكرة أوتوماتيكيا سيرة صلاح الدين الأيوبي
ويمكن تحب تتفرج على فيلم لسيرته، يخليك تعيش أجواء النصر والعزة

ويقوي من حالتك النفسية علشان تقدر تهزم الإحباط الناتج من التصريحات العجيبة
اللي ممكن تسمعها بتجرم أعمال المقاومة أو بتدعو للتطبيع والتآلف مع الصهاينة

أنا حبيت أرجع لبعض المصادر التاريخية
أدور فيها على حاجة تانية غير وصف الإنتصارات التي حررنا فيها المسجد الأقصى

حبيت أدور في فترة الاحتلال الصليبي لبيت المقدس وما قبل تحريره
هل ذكر التاريخ سيرة أيا من كان يدعو للمهادنة أو التطبيع أو المصادقة مع المحتل الصليبي!

وكان الغرض إني أعرف هل ما نعيشه اليوم، يجوز أن يكون تكرارا لما حدث بالأمس؟
وهل واجه السابقون تصريحات أو أقوال أو تصرفات
ممجوجة تثبط العزيمة أو تفت في عضد الهمة أو ذراع الأمة
وكيف واجهوها إذا كانت
وكيف تغلبوا على إحباطهم وتمكنوا في النهاية من النصر والحرية

وقد وجدت العجب العجاب
هاحكيلك منه شوية كده من باب الاطمئنان
ان ما نراه بأعيننا ونسمعه اليوم بآذاننا
سبق للتاريخ أن سجل مثله أو أسوأ
في أوقات الاحتلال
مع وصف بعض المشاهد
لكي تتخيل الحالة النفسية لمن عايشها

 

المشهد الأول عام 1099 م

كان مشهد اقتحام الصليبيين بيت المقدس مشهدا بالغ الدموية في مجزرة كانت الأولى من نوعها في التاريخ قتل فيها الجنود الصليبيون وبدون تمييز كل المدنيين في الشوارع والأزقة والبيوت من رجال ونساء وشيوخ وأطفال مسلمين ومسيحيين ويهود، فالكل ملامحه عربية
النساء ذبحت وقطعت أصابعهن لسرقة الخواتم والحلي، وبقرت بطونهن للبحث عما قد يكن قد ابتلعنه من جواهر
وسجل المؤرخون أن أكثر من مائة ألف مدني قتلوا على مدار عشرة أيام متواصلة، وكانت جثثهم ترص في كومات تم تحرق لتسهيل البحث عن المتعلقات بين رمادها
وتم تحويل المسجد الأقصى إلى اسطبل تتبرز فيه خيول الصليبيين

بعض ممن شهد هذه المجزرة تمكن من الفرار وقد حملوا معهم مصحف سيدنا عثمان الذي كان محفوظا في المسجد الأقصى
فروا إلى دمشق قاصدين الإمام زين الدين الهروي أحد أكبر الأئمة في عصره

فجع الإمام مما سمعه من أخبار اقتحام بيت المقدس
فهرع إلى عاصمة الخلافة العباسية في بغداد والتي كانت غارقة في الترف
لم يسمح له بمقابلة الخليفة رغم عظم ما يحمله من أخبار


فلجا الإمام زين الدين الهروي إلى حيلة عجيبة حتى يتمكن من مقابلة الخليفة
كانت هذه الحوادث في شهر رمضان، فذهب في نهار رمضان إلى مسجد بغداد وسط المصلين وافترش صحن المسجد ببعض الطعام، وهم بالأكل، فهجم عليه المصلون وسلموه للحراس حتى يعرض أمره على الخليفة

دخل الإمام زين الدين الهروي على مجلس الخلافة وقال لهم إنكم تخشون على دينكم من إفطار صائم ولا تهبون لمسجدكم الأقصى وقد تحول إلى اسطبل لخيل الصليبيين

مصمص الحضور في مجلس الخلافة شفاهم
ودعوا الله أن يهون على أهل القدس
ولم يتحرك جندي واحد !

 

المشهد الثاني عام 1111 م

بعد عامين من احتلال بيت المقدس كان قد سقط في ايدي الصليبيين كل من نابلس وبيسان وطبرية ويافا وحيفا وعكا وصيدا وبيروت وطرابلس وانطاكية

ومن انطاكية بدأوا غزو حلب، قاموا بحصار أسوارها وكان حاكم حلب إسمه رضوان

وكان رضوان هذا يرى أن يهادن ويصادق ويطبع
 وأراد أن يري الصليبيين من حلب الود والتسامح
فأمر النجارين بصنع صليب ضخم
وقام برفع الصليب فوق مسجد حلب

لم يطق الحلبيون هذا المشهد
فثاروا على حاكمهم رضوان وتزعم ثورتهم الإمام أبو فضل بن الخشاب
ولما لم يكترث رضوان إلى ثورة أهل حلب
هرع الإمام أبو فضل بن الخشاب إلى عاصمة الخلافة في بغداد

ولم يكن حظه أفضل من الإمام زين الدين الهروي
فخطب في مسجد بغداد صارخا

أحل الكفر بالإسلام ضيما ... يطول عليه للدين النحيب

فحق ضائع وحما مباح ... وسيف قاطع ودم سليل

وكم من مسلم أمسى سليبا ... ومسلمة لها حرم سليب

وكم من مسجد جعلوه ديرا ... على محرابه نصب الصليب

 

وبعد أن حرك الإمام أبو فضل بن الخشاب النخوة في أهل بغداد وفي جيش الخلافة
عاد مسرعا إلى حلب ليحث أهلها على الجهاد ويكون في صفهم

قام رضوان حاكم بغداد بسجن الإمام أبو فضل بن الخشاب
وسجن معه كل من يناصره من القضاة ورجال الدين والثوار وأهل الرأي ومحركي دعوة الجهاد
ولم يكتف بذلك بل أغلق أبواب حلب في وجه جيش المسلمين القادم من بغداد لنصرة حلب!

المشهد الثالث عام 1113 م

كان يقود جيش المسلمين الذي توجه لإغاثة حلب القائد شرف الدين مودود
فلما أغلق رضوان حاكم حلب ابوابها في وجه جيشه
ظل القائد متأهبا بجيشه منتظرا فرصة الجهاد والتي سنحت عندما استغاث به حاكم دمشق ظاهر الدين طغتكين
على أثر الأخبار التي وردت عن تحرك جيش الصليبيين نحو دمشق

تحرك القائد شرف الدين مودود بجيشه إلى دمشق
والتقى بجيش الصليبيين قرب طبرية
وهزمهم شر هزيمة في معركة الصنبرة

 

استقبل حاكم دمشق ظاهر الدين طغتكين القائد المنتصر شرف الدين مودود في دمشق استقبالا حافلا
لكن ظاهر الدين طغتكين خشي أن يزاحمه شرف الدين مودود في إمارة دمشق بعد احتفاء الدمشقيين به
فجند واحدا من المرتزقة – كان من طائفة تشبه بلطجية اليوم، يؤجرون للقتل لمن يدفع الثمن، وعرفوا بطائفة الباطنية أو الحشاشين –

ويوم الجمعة ترك شرف الدين مودود معسكره خارج دمشق ودخل لصلاة الجمعة في مسجدها
فباغته المرتزق بطعنتين عقب الصلاة وهو خارج من المسجد فأسلم الروح

قال ابن الأثير: حدثني والدي رحمه الله أن ملك الفرنج كتب إلى طغتكين كتابا فيه:
وإن أمة قتلت عميدها، يوم عيدها، في بيت معبودها، لحقيق على الله أن يبيدها

 

يذكر أن مرتزقة الباطنية أو الحشاشين بعد ان قتلوا القائد شرف الدين مودود
قتلوا أيضا الإمام زين الدين الهروي والإمام أبو فضل بن الخشاب
وحاولوا ولكنهم فشلوا في قتل القائد صلاح الدين الأيوبي نفسه

 

المشهد الرابع عام 1228 م

أربعون عاما فقط كانت قد مضت بعد أن حرر صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس بعد معركة حطين عام 1187م
حتى تم تسليم بيت المقدس للصليبيين مرة أخرى بدون قتال عام 1228!

حدث ذلك بعد ان استعان الملك الكامل الأيوبي ملك مصر بالملك فريدريك الثاني ملك صقلية

استعان الكامل بفريدريك على أثر الصراع بينه وبين أخيه الملك المعظم عيسى ملك دمشق
ظنا منه أنه يعد العدة لغزو مصر فرأي وضع الصليبيين بينهما في بيت المقدس تأمينا لعرشه

أدخلت هذه الخيانة فريدريك الثاني بيت المقدس على رأس ثلاثمائة فارس صليبي فقط وبدون قتال
ومنع الملك الكامل أذان الفجر في المسجد الأقصى حتى لا يقلق نوم الملك فريدريك!

 

 

المشهد الخامس عام 1240 م

استرد الملك داوود بن المعظم بن عيسى وحفيد صلاح الدين بيت المقدس عام 1239م
لكن عمه الصالح اسماعيل باع بيت المقدس للصليبيين مرة أخرى وبعد عام واحد فقط عام 1240م
حتى استردها مرة أخرى السلطان نجم الدين أيوب عام 1244م
وظل بيت المقدس حرا منذ عام 1244م وحتى الاحتلال الصهيوني عام 1948م

 

وعلى الرغم من الامتعاض من أحاديث الخيانة والخسة والدياثة التي تملأ كتب التاريخ
ما بين عام احتلال بيت المقدس 1099م وتحريره عام 1244م

إلا أنها تبعث في النفس الكثير من الطمأنينة
إذ أن التاريخ قد وثق سيرة الخائنين لتلعنهم إلى يوم الدين كل عين تقرأ سيرتهم العفنة

وأيضا الطمأنينة أن كل هذه الخيانات لم تمنع رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه
من العسكريين الأشداء أمثال شرف الدين مودود ونور الدين محمود
وصلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس عليهم جميعا رحمة الله


ولم تكتم كلمة الحق في حناجر الأئمة الصادقين
أمثال الإمام زين الدين الهروي والإمام أبو فضل بن الخشاب
ولم تمنعهم من اعتلاء المنابر وشحذ الهمم والدعوة إلى الجهاد

حي على الجهاد ... حي على الجهاد ... حي على الجهاد

الأربعاء، 5 مايو 2021

سد النهضة

 



البدائل المطروحة حاليا على الساحة الإعلامية للحفاظ على أمن مصر المائي لا ترفع القلق ولا الضغط النفسي عن المواطن المصري

 

فإما الضربة العسكرية المباشرة لسد النهضة وتحمل ردود الافعال الإثيوبية والدولية أيا كان ثمنها

 

وإما تدبير المكائد السياسية في الداخل الإثيوبي لمحاصرتها والضغط عليها للموافقة على تنسيق ملء بحيرة السد مع مصر والسودان

 

وإما شراء الماء

 

وفي كل الحالات فإن التحكم في مياه النيل سيبقى كابوسا يهدد أمن مصر المائي حتى لو تم الإنتهاء من سد النهضة بدون إحداث أي ضرر لمصر

 

هذا الكابوس الذي يجعلك تستطلع خرائط القارة الإفريقية باستمرار وتنظر إليها طويلا، بحثا عن حلول لا تعلم هل يمكن أن تتحول إلى حقيقة أم لا

 

لكنك تفكر وكأنما تحاول أن توقف الصراع بين ضميرك المنشغل بالقضية وخيالك الذي يرى أولادك أو أحفادك يموتون عطشا وهم ناقمون عل الجيل الذي انقضى ولم يؤمن لهم حلا أو حماية لواحد من أهم موارد الحياة

 

هل يا ترى ستفكر أوغندا يوما ما في بناء سد آخر يحرم مصر والسودان من الرافد الآخر من روافد النيل!

 

هل يكفى أن نطمئن إلى القوانين الدولية التي وضعت من أجل تنظيم حصص المياه على الأنهار الطبيعية الدولية، ثم نجد أن هذه القوانين تطوع لمصالح سياسية واضحة كانت أم مخفية

 

يذكر أن محاولات إنشاء سدود على منابع النيل مستمرة منذ ستينات القرن الماضي، فهل رد فعل الدولة المصرية على هذه المحاولات كاف لجلب الشعور بالأمن المائي لمواطنيها

 

لماذا لا تؤيد الحكومة المصرية بجدية الأفكار التي طرحت لربط نهر الكونغو بنهر النيل

أو حتى شق نيل جديد صناعي يبدأ من بحيرة فيكتوريا أو بحيرة ألبرت

 

وإذا كنا قد استطعنا في عشر سنوات من عام 1859 إلى عام 1869 حفر قناة السويس بطول 193 كم باستخدام المعاول والفؤوس فقط، فهل لا نستطيع اليوم بما كل ما لدينا من تطور في المعدات أن نشق من منابع النيل أكثر من رافد يحقق لنا الأمن المرجو

 

إن دول وسط أفريقيا مثل بوروندي ورواندا وأوغندا وجنوب السودان ليس لها أية حدود بحرية ويمكن أن يمثل لها النقل النهري حتى البحر المتوسط منفذا جيدا لحركة التجارة ذهابا وإيابا وتصديرا واستيرادا مع بعضها البعض ومع أوربا

 

أو أنها فقط 3 دول .. أوغندا والكونغو والسودان مع مصر يمكن أن تتعاون في شق نهر صناعي توضع له قوانين تحقق لكل دولة منها أمنها المائي وتفتح طرق للتجارة من وسط أفريقيا حتى البحر المتوسط

 

إن البحيرات العظمى في وسط أفريقيا هي منحة إلهية متجددة بكميات هائلة من المياه تكفي أفريقيا كلها

وقد تهتم بشق فروع من النهر الجديد دول أخرى مثل أفريقيا الوسطى وتشاد وليبيا

إن هذا التعاون يمكن أن يثمر مشروعا قوميا يستحق أن تتعاون عليه هذه  الدول على مدار السنوات القادمة ولا أظنها تزيد عن عشر سنوات

 

إن مجرد البدء في مشروع كهذا، فضلا عن كونه عملا سلميا تقل كلفته حتما عن كلفة الحروب، يبعث الأمل ويشحذ الكرامة ويجدد ثقة المصريين في أنفسهم ويؤمن لنا ذكرى طيبة مع أولادنا وأحفادنا ودعوة كريمة منهم لنا مع كل شربة ماء

#سفسطة


السبت، 30 يناير 2021

يوسف الصديق




 

ما بين الحيرة والغيرة، غمرتني أفكار ومشاعر متباينة
عندما تابعت بحذر المسلسل الإيراني يوسف الصديق

شعرت بالغيرة الشديدة أن يكون هذا العمل العظيم ليس مصريا
إذ أن قصة سيدنا يوسف عليه السلام دارت أحداثها على أرض مصر وتؤرخ أحداثا كثيرة وحقبة هامة من تاريخ مصر

المسلسل عظيم فعلا، وزاد من بهائه الدوبلاج اللبناني المتمكن بلغة عربية سليمة لا لحن فيها ولا خطأ، إذ يرتقي بمسامعك إلى مقام يليق بالأحداث

 

أما الحيرة فجاءتني من منطلق أنني أميل إلى الرأي القائل بحرمة تجسيد الأنبياء في الأعمال الدرامية، ولما فتشت في عقلي عن سبب يجعله يميل إلى هذا الرأي ، كان أوضحهم، الخشية من تدني الصورة الذهنية التي في وجداني عن رسل الله وأنبيائه

 

مسلسل يوسف الصديق ليس بقصير، فهو يقع في 45 حلقة مدة الحلقة 40 دقيقة
تمكنت من متابعة 3 حلقات اسبوعيا على مدار الأربعة أشهر الماضية

جسد دور نبي الله يوسف عليه السلام الممثل الإيراني مصطفى زماني والذي لم يسبق لي رؤيته ، لا هو ولا أي من أبطال العمل وكان لذلك أثر إيجابي على انطباعاتي على العمل، حيث لم تتشوش صورة سيدنا يوسف أو صورة سيدنا يعقوب في مخيلتي مع أية أعمال أخرى لطاقم العمل، كانوا قد يظهروا فيها بشكل غير لائق مما يؤثر سلبا على قداسة صورة الأنبياء

ساهم ذلك في نقاء الصورة التي تكونت في وجداني، وكان هذا معاكسا تماما لما حدث لي من امتعاض بعد مشاهدة فيلم المهاجر على سبيل المثال

 

قرأت مقالا عن كيفية إعداد المسلسل على مدار 3 سنوات، والذي أعده وأشرف علي تصويره مجموعة من علماء الدين والتاريخ ، وقد ساهم ذلك في الإجابة على كثير من التساؤلات التي كانت لدي عن بعض الأحداث في سيرة نبي الله يوسف الصديق فضلا عن إعادة ترتيب الأحداث بوضوح لقصته (أحسن القصص) من أولها إلى آخرها

 

لم يتعارض أي حدث في المسلسل مع ما جاء نصا في سورة يوسف، بل كانت الأحداث تتوافق معها تماما، مما يوحي لك بالثقة في الأحداث الأخرى التي لم ترد نصا في القرآن الكريم، ربما كان موردهم فيها هو السنة النبوية والأثر وكتب التاريخ

 

ومن أهم هذه الأحداث كان

مشهد تلقي الوحي من الملك في قاع الجب يبين لك كيف هدأ هذا الغلام الوحيد واطمأن من الخوف في هذا المكان الموحش على الرغم من صغر سنه

 

تم إظهار مصر في المسلسل بشكل عظيم جدا، ودقق المؤرخ في وصف مؤسساتها الحاكمة وقت وصول سيدنا يوسف عليه السلام إليها، والتي تشبه من عالمنا المعاصر المؤسسات البريطانية، إذ كان امنحتب الثالث هو الحاكم المؤله والذي له صلاحيات الملك ويعتبره الشعب ابن الإله آمون، أما عزيز مصر فكان له دور رئيس الوزراء كحاكم فعلي يدير شئون البلاد، أما المؤسسة الدينية فكات تتمثل في كهنة معبد آمون وقداستهم الدينية في قلوب الشعب

 

أظهر العمل السيدة زليخا امرأة العزيز في صورة راقية جدا وسرد عنها تفاصيلا دقيقة، فعندما راودت سيدنا يوسف عن نفسه، تحدثت إليه عليه السلام بمواربة وهو يغض بصره عنها، ولما فهم مقصدها زجرها بغير عنف ونهاها بغير إهانة

وقد همت به (أي ضربته) وهم بها لولا (أي أراد أن يرد ضربتها ولم يفعل) أن رأى برهان ربه، فقد نزل إليه الملك ليمنعه من ضربها ويرشده إلى الهروب من الأبواب المغلقة وأخبره أن الأبواب ستفتح من تلقاء نفسها

 

وعرض المسلسل حديث الطفل في مهده عندما أوحى الله إلى سيدنا يوسف عليه السلام أن يطلب شهادته ، فكان واحدا من أربعة أطفال تحدثوا في مهدهم:

وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ، وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ

والسيدة زليخا والتي لم تسلم من لسان كثير ممن تعرضوا لها هي ونساء مصر، تابت عن هذه الزلة (التي هي مراودة وليست خطيئة) وقد غفر الله لها وأوحى إلى سيدنا يوسف أن يدعو لها في شيخوختها برد بصرها بعد أن عميت من بكائها على فقدانه، وقد رد الله عليها بصرها، ثم دعا لها سيدنا يوسف أن يرد الله إليها شبابها، فعادت بعد شيبها إلى ريعان الشباب، ثم تزوجها بأمر من الله سبحانه

 

لم يدخل سيدنا يوسف السجن بعد محاكمة ظالمة كم هو مشاع، لكن عزيز مصر أراد أن يكف الألسنة عن حب امرأته لغلامه ، فاختار سيدنا يوسف أن يدخل السجن ودخله بعد دعائه:

 رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ، فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

 

وعلى الرغم من أن مصر أثناء تلك الأحداث في عصر امنحتب الثالث كانت وثنية، إلا أن إخلاص الزوجة لزوجها كان خلقا عظيما مقدسا، ومجرد من تفكر في الخيانة تأكلها الألسن

 

تعرض المسلسل إلى فكر أمنحتب الرابع والذي تولى الحكم بعد أبيه، والذي كان لا يقبل عقله فكرة تعدد الآلهة، واستقر عقله على وحدانية الإله وغير إسمه من أمنحتب (آمون حتب أو ابن آمون)، وسمى نفسه إخناتون (عبد آتون أو عبد الإله الواحد)

 

كان إخناتون عادلا، فلما جاءه تأويل رؤياه نقلا عن سيدنا يوسف من صاحبه وعلم إخناتون أنه عليه السلام قد سجن بغير سبب، لم يتحمل أن يبقى في السجن ظلما وأصدر عنه عفوا

 

لم يستجب سيدنا يوسف إلى أمر العفو، وقال أبلغوا الحاكم أنني لا أخرج عفوا إنما أخرج ببراءتي (أي بتحقيق وحكم محكمة)

 

عقد ملك مصر إخناتون الموحد محاكمة عادلة استجابة لرغبة السجين، استدعى فيها السيدة زليخا وكل النساء اللائي قطعن أيديهن، واستجوبهن حتى حصحص الحق وجاء ببراءة سيدنا يوسف وأمر بسجن النسوة، إلا أن سيدنا يوسف قد عفا عنهن بعد أن خرج من السجن بريئا أمام الناس

 

آمن إخناتون بنبوة سيدنا يوسف واستقرت عقيدة التوحيد في نفسه وقام بتولية سيدنا يوسف شئون مصر ليكون عزيز مصر في عصره بعد أن مات "بوتيفار" عزيز مصر السابق كمدا من فعلة زوجته

 

عرض المسلسل كيف قام سيدنا يوسف بصفته عزيز مصر بإدارة أزمة القحط قبل أن تبدأ بسبع سنوات وأثناء الأزمة حتى انتهت، وكيف جعل الله من حكمة نبيه والأزمة الاقتصادية معا أسبابا لكي يتبعه الناس ويشهدون بنبوته ويطمأنون بالتوحيد ويستقرون على لا إله إلا الله

 

وسيدنا يوسف عليه السلام وعلى الرغم من كونه نبيا إلا أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يكون له الغلبة على الوثنيين من خلال إدارة حكيمة لاقتصاد مصر وكف الظلم عن الرعية وإعادة الحقوق إلى المظلومين وحفظ قوت يوم الرعية وإعادة تقسيم الملكيات الزراعية

 

لما تحققت في آخر حلقة من المسلسل رؤيا سيدنا يوسف عندما كان غلاما:

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ

كان سجود سيدنا يعقوب وزوجته وأولاده الأحد عشر سجود شكر لله سبحانه وتعالى، فكان السجود في مقام سيدنا يوسف لكنه كان خالصا لله سبحانه

 

المسلسل بمنتهى الحرفية لم يتعرض إلى الظروف السياسية المعاصرة، إلا في آخر حلقة عندما جاء سيدنا يعقوب وأولاده (أبناء يعقوب هم بنو إسرائيل) إلى مصر، وكان أكبرهم يهوذا (والذي كان قد أوسع يوسف ضربا قبل أن يلقيه في الجب) الذي همس إلى أخيه شمعون قائلا في خبث:

هل تظن أن مستقبل بني إسرائيل سوف يكون من نصيب يهوذا أم من نصيب يوسف، أجابه شمعون وهو ينظر بإجلال  إلى يوسف وهو عزيز مصر: هذا واضح .. يوسف .. قال يهوذا: لا يا شمعون لا ... سيرى من سيأتي بعدنا أن بني إسرائيل سيدعون يهودا .. ولا يدعون يوسفيين

 

وعلى الرغم من أنه قد يكون الكثير من أحداث العمل من خيال مؤلفيه إلا أنني أراه عملا جيدا، يثري مشاهده بالكثير

 

وأعود إلى الرأي القائل بتحريم تجسيد الأنبياء في الأعمال الدرامية، سيظل لدينا مشكلة كبيرة، وهي أننا حتى وإن استطعنا منع مثل هذه الأعمال في بعض الدول الإسلامية، فماذا نفعل إن قامت الدول غير الإسلامية بتجسيد الرسل والأنبياء (وقد حدث بالفعل) في أعمال قد تسئ إليهم أو تحط من شأنهم أو تشوه العقيدة، عامدة إلى مكاسب سياسية أو تزييفا متعمدا بغرض تشكيك الموحدين في عقيدتهم

 

لقد وفرت الإنترنت اليوم لدي الأفراد فضلا عن الحكومات القدرة على تصوير الأعمال الدرامية بمجهودات فردية بدون رقابة لكي يشاهدها الملايين (مسلسل يوسف الصديق على اليوتيوب فقط حقق عشرات الملايين من المشاهدات بخلاف الفضائيات والمنصات الأخرى)

 

فربما يبقى هذا المسلسل بجماله ورقيه، محافظا على صورة نبي الله يوسف من أن يشوهها عمل آخر قد يسئ إليه عليه السلام

ويمكن أن يقوم بذلك مغرض عن قصد لافساد العقيدة وهدم الدين

أو أن يقوم به جاهل يهدف إلى الربح بعرض صورة مبتذلة لنبي الله مع إمرأة تراوده عن نفسه في صورة كاذبة لم تحدث، فضلا عن كونها لا تليق ووقار النبوة

حاشاه الصديق الحكيم عليه السلام ابن نبي الله يعقوب ابن نبي الله اسحق ابن نبي الله ابراهيم عليهم جميعا وعلى نبينا محمد الصلاة والسلام

 

السبت، 3 أكتوبر 2020

ربنا يحفظك يا ولدي

 




تجلس أمام سوبر ماركت كبير
في شارع مراد بالجيزة
سيدة مسنة تنتظر مساعدة المارة
أظنها تسعينية

وجهها بشوش يتوسط تجاعيده العميقة
عينان تبرقان بعزة نفس كبيرة
رأيتها أول مرة منذ عدة أعوام
يعبث الهواء بخصلات من شعرها الأبيض
تخرج من جانبي غطاء رأس يسقط قليلا إلى الخلف

تفترش الأرض وتتناول قرصين من الطعمية
على ورقة من صحيفة قديمة عليها آثار الزيت
كانت الورقة صغيرة
حتى أن رغيف الخبز نصفه خارج الورقة يحتضن الأرض
لغة جسدها الهزيل تحمل كثيرا من العزة

 

اعتدت كلما أمر من هناك  أن اشتري لها مشروبا
أسألها دائما ..
يا أمي ... هل تفضلين المانجو أم التفاح ؟
كان هذا السؤال يضحكها كثيرا
فاتحة فما لا أسنان فيه
حتى ينقطع نفسها

ثم أعود إليها بالمشروب
تقول.. الله ... الله  .. ربنا يحفظك يا ولدي
في عزة نفس ورضا
يفتقره كثير من القادرين

 

عندما انتشر فيرس كورونا كنت أظنها أول الهالكين
وكلما مررت من هناك
كنت أتوقع ألا أراها

تذكرتها يوم توفيت فنانة مشهورة بفيرس كورونا
وعقلي يحدثني
إذا كان الفيرس قد نال ممن تستطيع ان تتخذ تدابير الحماية وتهتم بالتعقيم والنظافة
فمال بالك بمن تعيش أيامها على الرصيف بلا أي وقاية!

مررت بعد يومين
وجدتها في نفس المكان
على نفس الهيئة

يا أمي .. هل تفضلين المانجو أم التفاح ؟
نفس الضحكة

 

عقب إصابة الرئيس الأمريكي بالفيرس
تذكرت على الفور هذه السيدة
تذكرت صوتها وهي تقول
ربنا يحفظك يا ابني


شعرت أنها من القليل
الذين يؤمنون حقا
بأن الله هو الحافظ
فحفظها

 

سأمر عليها قريبا
وسأسألها نفس السؤال
مستبشرا بضحكاتها

محاكمة رقمية

  في تمام الساعة الثامنة من صباح يوم الأحد   الحادي والعشرون من نوفمبر من عام 2421 في جلسة المحكمة الرقمية الميتافرسية صفر الحاجب الآل...